الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

317

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

بالفاجرة ، فيكون فجر بمعنى كذب وزنا ومعنى ، فيكون قاصرا ومتعديا مثل فعل كذب مخفف الذال . روي عن ابن عباس أنه قال : يعني الكافر يكذّب بما أمامه . وعن ابن قتيبة : أن أعرابيا سأل عمر بن الخطاب أن يحمله على راحلة وشكا دبر راحلته فاتّهمه عمر فقال الأعرابي : ما مسّها من نقب ولا دبر * أقسم باللّه أبو حفص عمر فاغفر له اللهم إن كان فجر قال : يعني إن كان نسبني إلى الكذب . وقوله : يُرِيدُ الْإِنْسانُ يجوز أن يكون إخبارا عما في نفوس أهل الشرك من محبة الاسترسال فيما هم عليه من الفسق والفجور . ويجوز أن يكون استفهاما إنكاريا موافقا لسياق ما قبله من قوله : أَ يَحْسَبُ الْإِنْسانُ أَلَّنْ نَجْمَعَ عِظامَهُ [ القيامة : 3 ] . وأعيد لفظ الْإِنْسانُ إظهارا في مقام الإضمار لأن المقام لتقريعه والتعجيب من ضلاله . وكرر لفظ الْإِنْسانُ في هذه السورة خمس مرات لذلك ، مع زيادة ما في تكرره في المرة الثانية والمرتين الرابعة والخامسة من خصوصية لتكون تلك الجمل الثلاث التي ورد ذكره فيها مستقلة بمفادها . واللام في قوله : لِيَفْجُرَ هي اللام التي يكثر وقوعها بعد مادتي الأمر والإرادة نحو وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ [ الشورى : 15 ] يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ [ النساء : 26 ] وقول كثير : أريد لأنسى حبّها فكأنّما * تمثّل لي ليلى بكل مكان وينتصب الفعل بعدها ب ( أن ) مضمرة ، لأنه أصل هذه اللام لام التعليل ولذلك قيل : هي لام التعليل وقيل : زائدة . وعن سيبويه أن الفعل الذي قبل هذه اللام مقدر بمصدر مرفوع على الابتداء وأن اللام وما بعدها خبره ، أي إرادتهم للفجور . واتفقوا على أن لا مفعول للفعل الواقع بعدها ، ولهذا الاستعمال الخاص بها . قال النحاس سماها بعض القراء ( لام أن ) . وتقدم الكلام عليها في مواضع منها عند قوله تعالى : يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ في سورة النساء [ 26 ] .